إلى سامي الجميّل و سمير جعجع .. إذا شئنا أن نكون نصارى

++++++++++++
دحرج الحجر وقام …
من وسط الجحيم قام فكانت بشرى للعالمين .. والموت لم يعد سيد الوجود ولا نهايته المفجعة.
أعطانا الحياة بهية، ألقة، لأنه شاء الموت معبرا لها … فاختصر الدرب بصليب ذي مسامير.

واليوم … من وسط السم الطائفي والتحريض الايديولوجي المتخفي بعباءة مار شربل … ومن عالم اليباس الانساني … نرتجي ذاك الانبعاث وإليه نرنو.

نعم .. أعترف أن الموارنة اليوم في خوف .. ويد بعضهم ممدودة وهي قابضة على السكين والبلطة والزناد .. بدل أن تكون ممدودة للمصافحة … تماما مثلما كانت في العام 1975.

والخوف نقولها بصراحة .. لا يعدم ما يبرره ويجعله مشروعا .. فاستذكار العهد العثماني ومواطنية الدرجة الثانية، بالاضافة إلى الاخطاء التي ارتكبها الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان … فان بقايا تلك المرحلة في بعض العقول كلها تجعل الخوف المسيحي الماروني مجرد وهم في الرؤوس .. وضربا من المغالطة.

قد نختلف على كل شيء …

على تفسير الاحداث .. أسبابها .. مسؤوليها .. نوعية السلوك المتوجب أثناءها .. هوية لبنان .. العروبة .. فلسطين والفلسطيني .. تهويد المسيح فقط كرها بالفلسطيني .. تخوين الماروني اليساري .. وغيرها الكثير من الامور ..
غير أن الاقرار ببعض المشروعية للخوف شيء .. وتكريسه عبر عدم تقديم حلول ستزيده رسوخا .. وتحول دون تجاوزه ..

خوف بعض الموارنة باق .. ما لم يتم تجاوزه على مستويات عدة .. وما لم تتوفر لبعض الموارنة قناعات راسخة بالامور التالية:

أولا:- قناعة بأن لبنان لا يستطيع تجاهل انتمائه العربي .. أو إنكاره على المستوى السياسي والمصيري ..

ثانيا:- قناعة بأن العدو “الاسرائيلي” والاستعمار الأجنبي الصليبي .. لا يميز بين مسيحي ومسلم .. بل يطال الجميع …

(مسيحيتان)

كنا نمارس مسيحية مارونية تراءت لنا .. عن حق .. مستجيبة للتحديات الاجتماعية والسياسية في وطننا العربي. كنا نجدها الأكثر وفاء لفكر يسوع الناصري … والأوثق التصاقا بحاجات الناس ومشاغل حياتهم.

ولما بدأت تنكشف الساحة شيئا فشيئا عن مارونية أخرى .. معادية لكل نزوع إجتماعي أو عروبي أو فلسطيني .. مرسخة للتقوقع ومركبات النقص بالتعالي … مثيرة أعنف الشهوات الطائفية، في غرائزية بدائية ساحقة، مستعيدة ذكريات الاضطهاد لتذكي الحقد وتديمه لاهبا … أيقنا أن الصراع قدر لا يرد .. وأيقنا أكثر .. أن هنالك مسيحيتان مارونيتان في لبنان .. لا بد وأن تلغي واحدة الأخرى .. فلا تعايش .. بل نقيض ينفي نقيضه في علاقة تناحر مستقيمة.

وفي مجرى هذا الصراع طرح كل طرف آرائه:

– قالوا بتحميل الفلسطيني واليسار اللبناني مسؤولية كل ما حدث… والانبهار ب “إسرائيل” … والخوف على الامتيازات الطائفية .. ثم ليتدرجوا منها إلى التقسيم وبعدها إلى الكونفدرالية .. وهي شهوة في نفوس البعض من الموارنة..

قلنا بالتعاضد مع الفلسطيني .. متوحدين في المصير … والالتزام بتبعات الانتماء العروبي … والتخلي عن امتيازات القلة لصالح عدالة إجتماعية تصيب الجميع دون تفرقة أو تمايز.
قلنا .. بأن خلاص الموارنة لا يكون بالتشنج التدميري .. ولا بركوب الرأس عنادا وتحديا صفيقا … بل بارتجاء نظام مدني يبطل الطائفية ويساوي بين المواطنين.

قلنا أن الاندراج في المصير العروبي ليس خيارا بين عدة خيارات … بل هو خيار أوحد لا منقذ سواه. وقلنا أن الغرب لن “يقلق” على مصير لهكذا موارنة يناشدونه ويلهفون إليه..
قلنا أن خرافات البطولة واللبناني “المفتت للصخر” لن تعفي أحدا من الجوع والعطش والاختناق والهزيمة … وأن البلهاء وحدهم يتعيشون على الأسطورة .. وقد باتت هزلية بطبيعة الحال..

(إسرائيل والكراهية نخرت الطائفة وأخرجتها من مسيحيتها)

  • يقول بعضهم بعدم مسيحية كل من انتمى إلى أحزاب الحركة الوطنية اللبنانية .. وكل من ناصر الفلسطيني … وكل من قاوم “إسرائيل”.

قلنا .. هل أصبح للطائفة المارونية تكفيرييها أيضا؟

– قالوا بعدم فلسطينية وكنعانية يسوع الناصري .. ودافعوا بشراسة عن يهوديته .. ولولا الحياء لقالوا أن الفلسطينيين هم من دقوا المسامير بيديه ورفعوه على الصليب…
وقالوا أيضا … أننا بدفاعنا عن الفلسطيني فأننا قد خرجنا عن تعاليم المسيحية .. وقيم الوطنية والمواطنة …

قلنا …

صاح اليهود دمه علينا وعلى أولادنا … صاح اليهود اصلبه .. اصلبه .. إنه كادح إبن كادح .. فلسطيني إبن فلسطيني .. أصلبه نكاية بكل المؤمنين بالانسان.

هل أنا منحاز؟
تماما .. أنا منحاز دون جدال .. منحاز سلفا .. وأتقيأ من فمي مثلما تقيأ بولس الرسول من كان فاترا.
“كن باردا أو حارا” قال رسولي…
وأنا قد رفعت نبرة الحقد والكراهية العمياء حرارتي .. ولي صوت ماروني حقيقي أعرف كيف أطلقه.

هل من عجب إذا ما صار القديس شريرا؟ ألا تعرفون قصص أبرار الكنيسة الذين فسقوا في أواخرأيامهم؟
ألم يكن يهوذا تلميذا بارا وباع معلمه بثلاثين؟

هل أنا منفعل؟
نعم .. أنا منفعل لأنني أقامر بمارونيتي كلها … لأن تاريخها يُسرق .. ولأن الصيارفة وباعة الحمام يمرغون بالوحل أطيب ما تذوقناه من إنجيل ربنا (المحبة والتسامح).
نعم أنا منفعل .. عندما يجيبني أحدهم كم هو ممتع اغتصاب فلسطينية في تل الزعتر أو مخيم شاتيلا .. ومن ثم يطلب مني العودة إلى مسيحيتي … وعندما أتقيء من قوله يكمل:  “أنت رضعان من أنجس حليب لأنك مش ع بتقتنع إنو الفلسطيني لازم يختفي من الوجود” .. (قمة النازية والفاشية والكراهية والعنصرية الخ)..

أعرف المخيم … وفيه نسجت أجمل وأرقى وأقدم الصداقات … وفيه استقبلت ليلة الميلاد سنتين متتاليتين.. عاينت وجوه المصلين فيه ولم يكونوا مسيحيين .. أقاموا الصليب في وسط المخيم وألبسوه السُلُكْ ..(الكوفية) الفلسطينية ..
ليلتها .. بكى الناس .. وزغردت النسوة..
كنا عشرة مراهقين ومراهقات موارنة .. نشهد لايماننا وسط شعب مطروح في المخيمات ..
أنا شاهدت وجه مسيحي في مخيم للاجئين الفلسطينيين ..

لا بأس ..
فأنا أغفر لكن لا أنسى … “سأحفظ كل شيء في قلبي” .. كمريم العذراء ..
فماذا ستقولون؟
السؤال مرمي في وجه المسيحيين عامة .. وبعض الموارنة خاصة.

ملاحظة هامة: أطالب سامي الجميّل .. وسمير جعجع باتخاذ موقف واضح من قرار الرئيس الأمريكي ترامب بتهويد مدينة القدس .. مدينة يسوع … فالحق لا يتجزأ … والوقوف إلى جانب الحق الفلسطيني لا يتطلب بالضرورة أن تكون مسلما أو مسيحيا .. بل يتطلب أولا وأخيرا أن تكون إنسانا.. هذا إذا شئنا أن نكون نصارى.
عدا عن ذلك فاننا سوف نشك بأن هنالك مسيحيتان .. مسيحية يسوعها يأكل بالشوكة والسكين وينتمي إلى باعة الحمام والصيارفة … ومسيحية أخرى يسوعها يأكل بيديه وينتمي إلى الفقراء واللاجئين والمضطهدين …

Advertisements